ابن الفارض
213
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
( الجمع ) هنا بمعنى الكل ، وقوله : ( كأنك ) حكاية قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، حيث قال : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » ، وأراد بمبدأ بداية مقام المشاهدة ، وقوله : فإن لم تكن تراه ، وأراد بانتهائها به مقام المراقبة والانتهاء المراقبة لانطباقه على ابتداء المشاهدة ممتزج به امتزاجا لا يكاد يتميّز عنه حتى حكم بأنه مقام واحد ، و ( الآي ) جمع آية ، و ( الغيوث ) : جمع غيثة ، وهو المطر ، و ( البعوث ) : جمع بعثة بمعنى الإثارة جمع على تأويل إرادة النوع ، و ( التنزّه ) والتفرّج والاجتناب وهو المراد هنا ، و ( ليوث الكتيبة ) عبارة عن شجعانها ، والضمير في ( أيه ) يعود إلى ما عبّر عنه من المقام المشترك بقوله : ( مبدأ كأنك انتهى فإن لم تكن ) لما ذكر لكل من اللّبس والحسّ والنفس ما يختصّ به من الأحوال أردفه بذكر ما يشترك فيه الكل منها ، ومنشأ لأحوال المشترك مقام مشترك بين المشاهدة والمراقبة ظاهر عن علاماته [ 268 / ق ] النظرية دلّ عليه مضمون البيت الأول ، والأحوال المشتركة الناشئة من هذا المقام ، ( غيوث انفعالات ) أي : أمطار الأحوال النازلة من باب الحيرة والدهش والدله والوله والهيمان والشكر والحياء والهيبة والخوف ، والسرور والفرح من أسماء المقام المشترك بين المشاهدة والمراقبة على إرادة النفوس والحواس والقوالب المنفعلة المتأثّرة المتغيّرة بتلك النوازل ، ووجود الانفعال في هذا المحال من خواص تأثير هذا المقام ؛ لأنه مبدأ المشاهدة والمحبّ المشتاق ينفعل عند مشاهدة المحبوب بأول نظرة انفعالا سريعا قويّا يسلب منه التميز والاختيار حتى يلحقه بالحيارى السكارى ، فإذا تكرّر النظر وعاد كل قوة منه إلى مركزها ومستقرّها زال الانفعال والاعتدال بالتمكين بعد التلوين والصحو بعد السكر والأنس بعد الهيبة ، وهذا المعنى ظاهر عند أهله ، ومنه تمكين زليخة وانفعال صواحبها عند النظر إلى يوسف ؛ لأن شهوده بالنسبة إليهنّ غريب وإليها غير غريب ، وأوّل ما تنفعل النفس ثم الحس ثم القالب ، وسراية الانفعال من النفس ، والقوة لقوة النازل وامتلاء القلب به ، وارتباط كل واحد من أجزاء الوجود بالآخر كما ينفعل كل منهما بتأثير نوازل الأحوال ، وينبعث فيه داعية التنزّه والاجتناب كما لا يرضاه المحبوب ، فيكتسي ثياب مراضيه بخلع ملابس مساخطه ، وانبعاث دواعي التنزّه عن مكاره المحبوب عند شهوده مما لا شكّ فيه ، وتنزّه النفس يكون عن الالتفات إلى غير المحبوب ، وتنزّه الحس عن مخالفة أمره ونهيه ، وكذلك تنزّه البدن ، وأيضا يحدث عند المشاهدة في كل واحد من النفس والحسّ والبدن نوع من المواصلة ؛ لأن
--> ( 1 ) تقدّم في سابقه .